العراق يدخل عصر المصارف الرقمية ... نبني مصرفاً من الصفر ببنية رقمية خالصة… الهاتف سيكون الفرع… والبيانات مسؤول الائتمان والذكاء الاصطناعي المستشار المالي
وصفتم قرار البنك المركزي بإصدار رخص المصارف الرقمية بأنه إعادة تعريف كاملة لطبيعة العمل المصرفي في العراق. برأيكم، لماذا هذا القرار تحديداً هو الأكثر جرأة في تاريخ القطاع المصرفي العراقي، وكيف يختلف عن محاولات التحديث السابقة؟
ما نشهده اليوم ليس مجرد تحديث تقني، بل هو ولادة كيان مصرفي جديد تماماً لا يحمل أي إرث تقني متعثر، والمصرف الرقمي الذي نعمل عليه لا يولد بفروع أو أنظمة قديمة، بل يُبنى على أساس بنية رقمية صافية تنهي إشكاليات التسويات اليدوية، وتجعل موضوع الإمتثال ومكافحة غسل الأموال موضوعاً آنياً وفعالاً. الفرق عن محاولات التحديث السابقة أنها كانت مجرد (ترقيع) لأنظمة قديمة، بينما هذه المرّة نبني من الصفر وفق أحدث المعايير العالمية.
أشرتم إلى أن التحول الرقمي الحقيقي يختلف عن مرحلة الرقمنة والرقمنة المحسّنة. ما هي أبرز ثلاث سمات جوهرية تميز لمصرف الرقمي الخالص عن المصرف التقليدي الذي يقدم خدمات إلكترونية؟
الفروق جوهرية وليست شكلية.
أولاً: البنية التحتية. المصرف الرقمي يُصمم ليكون (رقمياً منذ الولادة) (Digital by Default)، بينما المصرف التقليدي يضيف واجهة رقمية فوق نظام أساسي قديم.
ثانياً: نموذج التوزيع. الفرع في المصرف الرقمي ليس مكاناً للمعاملات، بل هو هاتف العميل. وكما قلت سابقاً، عندما يصبح هاتفك هو الفرع، وتصبح البيانات هي مسؤول الائتمان، والذكاء الاصطناعي هو المستشار المالي، فإننا نزيل مئات الآلاف من نقاط الاحتكاك التي كان الفساد يتسرب من خلالها
ثالثاً: الامتثال. في المصرف الرقمي، الامتثال ومكافحة غسل الأموال ليسا عمليات روتينية بل جزء من كود النظام نفسه.
تحدثتم بالتفصيل عن شرط (المستثمر المؤسسي المؤهل) بصفته جوهر الضوابط الجديدة. لماذا يعتبر هذا الشرط أكثر أهمية من مجرد توفير رأس المال، وكيف سيساهم في نقل (الحمض النووي) للعمل المصرفي الرقمي الحديث إلى العراق؟
رأس المال وحده لا يصنع مصرفاً رقمياً ناجحاً، بل يحتاج إلى خبرة تقنية وتشغيلية. البنك المركزي اشترط أن يكون لدى المستثمر المؤسسي المؤهل خبرة لا تقل عن 3 سنوات في التكنولوجيا المالية، وإيرادات سنوية لا تقل عن 30 مليار دينار، وقاعدة عملاء لا تقل عن 100 ألف مستخدم نشط. هذه الشروط ليست بيروقراطية، بل هي ضمانة بأن من يدير المصرف لديه فهم حقيقي لطبيعة الخدمات الرقمية، ويعرف كيف يبني منتجاً يلبي تطلعات العميل العراقي. هذا هو (الحمض النووي) الذي سينقله إلينا.
حدد البنك المركزي رأس مال أساسي قدره 100 مليار دينار، مع مراحل تشغيل تجريبي ونظام ترخيص متدرج. برأيكم، ما هي الرسالة التي يبعثها هذا الهيكل التنظيمي الصارم للجهات الراغبة بالاستثمار في القطاع؟
الرسالة واضحة: (لسنا في سوق للمغامرات) هذا المبلغ ليس رادعاً، بل هو عامل تصفية نوعية. البنك المركزي يريد شركاء جادين، وليس مستثمرين يبحثون عن أرباح سريعة، بل مؤسسات مستعدة للاستثمار طويل الأمد في بناء بنية تحتية مصرفية متينة. الترخيص المتدرج أيضاً يعطي رسالة بأن البنك المركزي سيراقب الأداء عن كثب قبل منح الترخيص النهائي، وهذا يعزز ثقة المودعين والمستثمرين على حد سواء.
رغم الحماسة، ذكرتم أن (أكبر تحدٍ ليس التكنولوجيا، بل العقلية المصرفية) كيف يمكن للمصرف الرقمي الجديد تجاوز عقبة إدارته بعقلية (مدير الفرع التقليدي) وتحويل الكوادر البشرية إلى قادة رقميين؟
هذه النقطة تحديداً هي جوهر معركة النجاح. التكنولوجيا متوفرة، والأنظمة جاهزة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تغيير (عقلية الموظف) قبل تثبيت (أنظمة التكنولوجيا). في المصرف الرقمي، نحتاج إلى موظفين يفكرون كـ (مصممي تجارب) وليس كـ (منفذي معاملات). الحل يبدأ من ثقافة المؤسسة: التدريب المكثف، واختيار الكوادر الشابة القابلة للتكيف، وبناء نظام حوافز يرتبط بجودة الخدمة الرقمية وليس بعدد المعاملات الورقية.
لا تزال نسبة الشمول المالي متواضعة في العراق، كيف يمكن للمصارف الرقمية أن تكون الجسر الذي يعيد الثقة بين المواطن والنظام المالي؟
الثقة هي العملة الأغلى في العراق. لدينا سيولة نقدية ضخمة خارج القطاع المصرفي، كما أشارت دراسات مركز البيان للدراسات وغيرها. الناس يخزنون أموالهم لأن الثقة انعدمت. هنا يأتي دور المصرف الرقمي: عندما يكون حسابك مباشراً ومضموناً من البنك المركزي نفسه، وعندما تكون معاملاتك شفافة وقابلة للتتبع، وعندما لا يحتاج الأمر إلى وسيط أو محسوبية، فإن الثقة تبدأ بالعودة.
المصرف الرقمي هو الجسر الذي يعيد المواطن إلى النظام المالي الرسمي.
ترتبط رخص المصارف الرقمية بخطة الإصلاح الشامل للقطاع المصرفي التي تشرف عليها أوليفر وايمان. كيف يضمن هذا التكامل أن المصرف الرقمي لن يكون مجرد (كيان منعزل)؟
وجود أوليفر وايمان كشريك استشاري في وضع المعايير يضمن أننا لا نبتكر من فراغ. التقرير الذي نشرته أوليفر وايمان بالتعاون مع مورغان ستانلي يحدد ٧ اتجاهات جوهرية تعيد تشكيل الخدمات المصرفية، والبنك المركزي العراقي اختار نفس الشركة لتصميم والإشراف على هذه المصارف الجديدة. هذا يعني أن المصرف الرقمي العراقي سيُبنى وفق أحدث المعايير العالمية، وسيكون جزءاً من منظومة إصلاحية متكاملة، وليس مجرد كيان منعزل.
كيف سيساهم مشروع (الحساب الموحد للخزينة) (TSA) والبنية التحتية للدفع الإلكتروني في تهيئة بيئة آمنة وجاذبة لهذه المصارف الوليدة؟
مشروع TSA هو حجر الزاوية لتهيئة البيئة الآمنة. فهو يوفر مراقبة لحظية للتدفقات المالية، ويُمكن البنك المركزي من تطبيق صارم لمعايير الأمن السيبراني. كما أنه يُسرّع عمليات التدقيق على المستثمرين، وهو أمر حاسم للمستثمرين الأجانب. الأهم أنه يُحسن إدارة رأس المال ويُقلل هدر المال العام، مما يُشجع المستثمرين على ضخ أموالهم في نظام مالي منضبط.
تشترط الضوابط أن يكون المقر الرئيسي ومراكز البيانات داخل العراق، بالإضافة إلى شهادات أمنية مثل ISO 27001. برأيكم، ما هي أهمية اشتراط السيادة على البيانات في بناء ثقة المواطن والمستثمر الدولي على حد سواء؟
السيادة على البيانات هي ضمانة أساسية لثقة المواطن أولاً، لأنه يطمئن أن معلوماته المالية محمية بالقانون العراقي. وثانياً، للمستثمر الدولي، لأن وجود مراكز بيانات داخل العراق يعني التزاماً صارماً بالمعايير الدولية مثل ISO 27001، وهو ما يعزز مصداقية المصرف. هذا الشرط يضمن أن المصرف الرقمي ليس مجرد واجهة لبنك أجنبي، بل كيان عراقي بامتياز.
هل تتوقعون أن تتحول المصارف الرقمية في العراق من مجرد بديل للخدمات التقليدية إلى منصة متكاملة للتمويل والاستثمار، وما هي المنتجات أو الخدمات الجديدة التي ستغير علاقة العراقي بماله في السنوات الخمس المقبلة؟
بكل ثقة، أتوقع أن تصبح المصارف الرقمية المنصة الرئيسية التي تربط الأفراد والتجار والحكومة. سنشهد دخول منتجات مثل: القروض الرقمية الفورية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، منصات التمويل الجماعي للمشاريع الصغيرة، المحافظ الرقمية المتكاملة مع الخدمات الحكومية، وحلول الدفع عبر الحدود بتكلفة منخفضة. الأهم أن المواطن الذي كان يحمل أمواله في جيبه خوفاً من الضياع، سيصبح قريباً يحملها في هاتفه محققاً أحلامه. هذا هو التحول الحقيقي الذي نعمل من أجله.
كلمة أخيرة لدكتور نبيل توجهها للقراء والمستثمرين؟
العراق اليوم على موعد مع نقلة نوعية. نحن نبني مصرفاً رقمياً لا يقل عن أي مصرف في المنطقة. الثقة ستعود، والاقتصاد سينتعش، والفساد سيتراجع لأن الشفافية ستصبح سيدة الموقف. أدعو كل عراقي يؤمن بمستقبل بلاده إلى أن يكون جزءاً من هذه الرحلة. نحن في 30 سبتمبر 2026 سنحصل على الرخصة، بإذن الله، وسنبدأ في كتابة فصل جديد من التاريخ المصرفي العراقي.