الحروب الإقتصادية في العالم اليوم هي على المعادن النادرة، والسودان من أكبر المنافسين في الإنتاج
عرف السودان، أرض الخيرات، بغناه الكبير بالمعادن الثمينة التي شكلتها طبيعة البلدالجغرافية وجباله البركانية، ومن أهم هذه المعادن الذهب الذي تم إكشافه واستخراجه منذ العهد الفرعوني، وبات اليوم مورداً حيوياً لدعم اقتصاد البلاد، حيث تقدر الكميات المنتجة في 2025 بـ 80 طناً يضاف اليها الإرتفاعات القياسية لأسعار الذهب، وتتنوع المعادن الأخرى لتشمل النحاس والكروم والحديد والنحاسواليورانيوم والرخام والعديد سواها، وحسب وزارة المعادن هناك 39 معدناً متوفراً في السودان. لكن يواجه القطاع اليوم تحديات كبيرة تتعلق بالتهريب وتلويث البيئة بسبب التعدين التقليدي، إضافة الى غياب استراتيجية شاملة للتعدين. في بورتسودان التقت مجلتنا بالدكتور نصر الدين الحسين المدير العام لشركة أرياب المملوكة جزئياً للحكومة السودانية، والتي تعتبرإحدى أكبر شركات التعدين في السودان وشرق أفريقيا بالنسبة لحجم الإمتيازات وعدد العاملين، وكان لنا مع د. نصر الدين الحسين هذا اللقاء المميز:
هل تأثر قطاع التعدين في السودان بالحرب الأخيرة على الخرطوم؟
بعيداً عن مناطق التعدين في شمال دارفور وجنوب كردفان التي تقع منذ زمن تحت سيطرة قوات الدعم السريع المتمردة علي الدولة، توجد مناطق التعدين الرئيسية الأخرى في السودان، في ولايات البحر الأحمر ونهر النيل والنيل الأزرق والولاية الشمالية، وهي مناطق آمنة تماماً وبعيدة كلياً عن الصراعات، كما أن السلطات السودانية حريصة جداً على تأمين هذه المناطق والمناجم فيها، لمنع دخول أي فارين من القوات المتمردة اليها، وبالتالي لم تكن هنالك أي أضرار مباشرة وقعت على شركات التعدين فيها، رغم ذلك شهدنا عند بداية الحرب انسحاب عدد من الشركات الأجنبية التي تخوفت من مالات الوضع وتأثر عملها نوعاً ما بسبب بعض إفرازات الحرب في العمليات اللوجستية وسواها، وبالتالي تراجع الإنتاج بشكل كبير في الفترة الأولى للحرب، لكن بعد أن لاحظت الشركات المنسحبة أن شركات التعدين الأخرى وعلي رأسها شركة ارياب قد حافظت على استقرارها وأدائها طيلة فترة الحرب، تشجعت منذ بداية 2025 على العودة خاصة أن أسعار الذهب صارت الآن في أعلى مستوياتها تاريخيا، لهذا يشهد السودان حاليا طفرة كبيرة في الإنتاج الذي من المتوقع أن يصل الى 80 طناً بنهاية العام 2025.
هل ما زلتم تعانون من مشكلة التعدين التقليدي، وما هي أبرز أضراره؟
عانى السودان لفترة طويلة من مشكلة التعدين غير المنظم وغير المقنن وهو ما عرف بالتعدين التقليدي أو الحرفي، لكن اليوم بدأت هذه المشكلة تتقلص لأسباب تقنية وجيولوجية، حيث أن هذا النمط من التعدين الجامح يعتمد في الغالب الأعم على الموارد السطحية للذهب والتي أصبحت شبه ناضبة اليوم نتيجة للعمل المتواصل بها وتخريب شواهد التمعدن و الجيولوجيا منذ ماقبل العام 2009 ، وبالتالي أصبح من الضروري الغوص في الأعماق والعمل بطريقة احترافية أكبر، وبالفعل فقد بدأ عدد مقدر من المعدنين غير المنظمين في التحول نحو التعدين المنظم وتوظيف الجيولوجيين والمهندسين واستخدام الآليات الثقيلة، على الرغم من أننا ما زلنا نشهد بعض التغول للمعدنين التقليدين علي مناطق إمتياز الشركات، لكن أتوقع ان تتراجع حدة هذه التعديات بالتدريج.
من ناحية أخرى تشكل أنشطة التعدين التقليدية خطراً بيئياً كبيراً، حيث تحتوي مخلفاتها على الزئبق وغيرها من المواد الضارة بالبيئة وبصحة الإنسان والحيوان ولايتم احتواؤها بطريقة علمية صحيحة.
أما المشكلة الاقتصادية الأكبر للتعدين التقليدي فهي تهريب المنتج من الذهب، حيث تقدر الكميات المهربة الى الخارج باكثر من نصف الإنتاج العام للدولة التي لا تستفيد من عائداته، فالتعدين التقليدي غير منضبط بسياسات الدولة وينتشر في مساحات جغرافية واسعة جداً، تجعل الرقابة عليه غاية في الصعوبة .
هل يستفيد السودان اليوم من كامل إمكانياته في التعدين؟
من المتوقع أن يشهد تعدين الذهب في السنوات القادمة تحولاً جذرياً من ناحية التنظيم ودخول الاستثمارات الضخمة الجديدة، خاصة أن السودان بات يتمتع اليوم بمزايا تفضيلية أهمها أن خارطة التمعدن للذهب و الخارطة الجيولوجية أصبحتا أكثر وضوحاً، وزادت الحصيلة المعرفية بطبيعة وعلوم الارض وذلك بعد أن تزايد استكشاف المواقع والمناجم في البلد من قبل شركات التعدين المحترفة، كما ساهم التعدين التقليدي رغم سلبياته، بلعب دور المؤشر والدالة على وجود المعادن فمن المعروف أن وجود معادن سطحية قد يصح الاستدلال به على وجود كميات أخرى في الأعماق.
ماذا عن المعادن الأخرى غير الذهب؟
بعيداً عن الذهب، يحتاج السودان الى تشكيل استراتيجية شاملة للتعدين، تشمل معرفة المعادن الحيوية و الهامة المتاحة واماكن تواجدها وكيفية استخلاص قيمة مضافة منها، وبعدها سنّ القوانين المنظمة والعمل على الترويج لها واستقطاب المستثمرين. فالسودان غني جداً بمعادن حرجة يتصارع عليها العالم اليوم لأنها ستشكل لغة الغد، ومن هذه المعادن النحاس والألومينيوم والنيكل والزنك والجاليوم والتيتانيوم والتاليوم والبلاتينوم والبالاديوم والفضة وعدد من عناصر اللانثنايدز الأرضية النادرة بالإضافة الي الحديد الذي توجد خاماته بكميات ضخمة تصل الى حوالي 52 بليون طن، بالإضافة الى الرمال السوداء على ساحل البحر الأحمر والتي تحتوي علي عناصر عديدة، وغير ذلك من المعادن التي تدخل في صناعات الطاقات المتجددة والالكترونيات والشرائح الذكية وسواها،. من ناحية أخرى يذخر السودان بالمعادن الصناعية التي تستخدم محلياً ويصدر القليل منها مثل الرخام والمواد التي تستخدم في صناعةالأسمنت وبعض المواد التي تدخل في البناء وهي موجودة بكثرة في السودان، لكن للأسف فإن عدم تصنيع هذه المواد وتصديرها بشكلها الخام لا يحقق عوائد مجزية وبالتالي يتراجع إنتاجها.
من ناحية أخرى يشكل التركيز على استخراج الذهب وحده دون غيره من المعادن معضلة خطيرة، حيث أن هنالك معادن أخرى تكون مصاحبة للذهب او متواجده بقربه في كثير من الاحيان، واستخلاص الذهب لوحده يجعل المعادن الأخرى مجرد نفايات مهدرة، بالذات العناصر الأرضية النادرة، وهي نادرة ليس لانها قليلة الوجود، بل لأنها لا توجد بكميات تجارية كبيرة في مكان واحد، وتكون مصاحبة لمعادن أخرى ، فاذا لم يكن هناك وعي مسبق بوجودها وأهميتها فإنها ستضيع، وفي كثير من الأماكن يستخرج الذهب وتبدد المعادن الأخرى التي قد تكون أعلى قيمة وأكثر اهمية.
اليوم الحرب الإقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين سببها الرئيسي هذه المعادن التي تنتج الصين حوالي 87% منها وتعالج 92%، أي أنها تعالج أكثر مما تنتج، والولايات المتحدة تدخل اليوم بقوة على خط المنافسة مع الصين من خلال بناء مصنع لمعالجة المعادن الأرضية النادرة، باستثمار يصل الى 30 مليار دولار، والسودان يعتبر من الدول التي لديها المقدرة علي ان تكون مصدراً جديدا لهذه المعادن ذات القيمة العالية، والتي يزداد الطلب عليها بشراهة كبيرة مع تطور الصناعات عالية التقنية في الدفاع والفضاء وبرامج تحول الطاقة والتقنيات الرقمية وغيرها .
إذا استمرت أسعار الذهب بالإرتفاع فإنها ستخلق حالة غير مسبوقة من الكساد العالمي
ما هي توقعاتكم لأسعار الذهب؟
لشرح الأسباب التي أدّت الى هذه الإرتفاعات الهائلة للذهب في فترة قصيرة، دعيني أذكر هنا باتفاقية بريتون وودز التي أنشئت عام 1944 مع نهايات الحرب العالمية الثانية لضمان الإستقرار الإقتصادي، حيث تمّ ربط جميع العملات بالدولار الأميركي وربط الدولار بالذهب (على أساس 35 دولارا أمريكيا للأونصة)، مما جعل الدولار عملة معيارية مثل الذهب وعملة الإحتياطي الرئيسية في العالم. و في سنة 1971 عندما حدث ما عرف بصدمة نيكسون الذي فك ارتباط الدولار بالذهب، أصبح الدولار هو المعيار الوحيد للعملات، وتحول الذهب الى سلعة مرتبطة بالمجوهرات التي شكلت اكثر من نصف الطلب علي الذهب اكثر منه معيارا حافظاً للقيمة، واستقر هذا الوضع لسنوات خاصة مع ارتباط البترول بالدولار، في ما عرف بالبترو- دولار، ومن ثم حافظ الدولار على استقراره وريادته . لكن اليوم مع تزايد الإضطرابات السياسية حول العالم وتذبذب أسعار الفائدة البنكية وتضييق الخناق علي حرية وسلاسة انسياب التجارة الدولية علي وقع التوسع في سياسات العصا الغليظة و العقوبات الاقتصادية ، اتجهت الكثير من الدول الى السعي لفكّ ارتباطها بالدولار واللجوء من جديد نحو التحوط بالذهب وبالتالي تصاعدت أسعار الذهب التي من المتوقع أن تستقر اليوم عند مستوي مابين 4000 و 4500 دولار للأونصة علي الاقل حتي نهاية الربع الاول من العام القادم. يتوقع ان أي تصاعد أكبر من ذلك في اسعار الذهب من شأنه أن يؤدي الى جمود إقتصادي وكساد عالمي ضخم، حيث سيقبل أغلب الناس على سحب أموالهم من السندات و المحافظ المالية والإستثمارات الهيكلية و الخاصة ووضعها في الذهب، وبالتالي يمكن ان تتعرض حركة الانتاج الي نوع من الشلل.
وهنا لا بدّ أن نسلط الضوء على أنه بعد الإرتفاعات الهائلة لأسعار الذهب بدأنا نلاحظ تنازلات كبيره جداً علي مستوي السياسات الاخلاقية التي كانت تحكم تعدين وتداول الذهب على مستوى العالم، مثل مكافحة تداول ما سمي بالذهب الدموي المنتج من السخرة وعمالة الاطفال و الذهب المرتبط بمناطق النزاع مثل دارفور او الذهب المهرب رغما عن مصالح الدول التي يتم الإنتاج منها ، لكن للأسف ومع النهم الشديد للذهب، بدأت العديد من الدول تتراجع عن هذه الالتزامات الاخلاقية، حيث انها بذلك تتوافر علي موارد رخيصة وسهلة من الذهب.
لكن البعض يتوقع وصول الذهب الى 10 ألآف دولار للأونصة، ما رأيكم؟
من الممكن أن نصل الى هذا السيناريو فقط إذ حدثت انتكاسة غير اعتيادية في العملة المعيارية التي هي الدولار الأمريكي، حيث أن العملات الأخرى مثل اليورو وسواه غير قادرة على فرض نفسها كعملة معيارية، وبالتالي فإن مستقبل اسعار الذهب مرتبطة بمستقبل الدولار. بالإضافة الي وجود عنصر جديد ومؤثر وهو تصاعد استخدام العملات الرقمية المشفرة التي بلا شك ستصبح منافسا جديدا إذا تحقق لها عنصري الاستقرار و الشفافية اللازمين لكسب الثقة المستدامة.
ما هي خطتكم في المسؤولية المجتمعية؟
تقع المناجم التي تعمل فيها شركة أرياب في جبال البحر الاحمر التي ظلت تفتقر بشكل شبه تام للخدمات الحكومية الأساسية مثل الصحة والتعليم وتشجيع الزراعة وتطوير مصادر المياه والكهرباء وغير ذلك، وبالتالي وجدنا أنفسنا امام واجب اخلاقي لتلبية الحوجة المشروعة للمجتمعات المحلية لهذه الخدمات بديلاً عن الدولة ، الأمر الذي يشكل ضغطاً كبيراً علي موارد و عمليات الشركة حيث اتجهنا نحو تخصيص منظومة ادارية كاملة للإشراف على هذا العمل، بينما من المفترض أن يتكامل دورنا كشركة مع دور الدولة التي حددت نسبة 1% فقط من انتاج شركات التعدين للمسؤولية المجتمعية إضافة الي برامج التنمية الحكومية، الا أننا وجدنا أنفسنا ننفق اكثر من 9% من إجمالي عائدات الشركة. هذا الموضوع يعتبر أحد أبرز المعضلات التي تعيق قدوم المستثمرين في قطاع التعدين السوداني لتخوفهم من انفاق جزء كبير من عائداتهم على الخدمات المفترض ان تنهض بها الدولة بجانب تكاليف التعدين المرتفعة أصلا. كذلك يستمر تصاعد الضغوط المطلبية المحلية عليهم بدلا عن الحكومات مما يعيق الإنتاج في بعض المناطق، اذ ان أغلب مواقع التعدين بحاجة للتطوير والتنمية ودعم المجتمعات المستضيفة.
ما هي مشاريع أرياب المستقبلية؟
إضافة الى الذهب والمعادن الأخرى، نسعى اليوم لتطوير مشروع لاستخراج النحاس، وهو المشروع الوحيد في السودان الحاصل على دراسة جدوى بنكية مقبولة عالميا لمعادن الأساس، أما باقي المشاريع فقد خضعت فقط لدراسات جيولوجية. حددنا في هذا المشروع الكميات الموجودة ونظم التشغيل وإدارة الموارد ونعمل الآن على تطوير العمل واستقطاب استثمارات ضخمة حتى نبدأ بالإستخراج، علماً أن "أرياب" تمتلك أكبر إحتياطي مكتشف من النحاس في السودان. كذلك نركز علي تطوير الموارد المعدنية عبر الاستكشاف المتقدم اضافة الي تطوير مصادر المياه لفائدة العمليات التعدينية و التنمية المجتمعية المستدامة.