التحول الرقمي في بنك فيصل الإسلامي السوداني أصبح ركيزتنا الأساسية لمستقبل القطاع المصرفي السوداني
بعد اندلاع الحرب في السودان مطلع العام 2023، واجه القطاع المصرفي واحدة من أصعب فتراته في التاريخ الحديث. وبينما توقفت العديد من المؤسسات عن العمل، نجح بنك فيصل الإسلامي في إعادة تشغيل عملياته خلال فترة قياسية، مستنداً إلى خطط الطوارئ، وحماية البنية التكنولوجية، وتسريع التحول الرقمي.
في هذه المقابلة، يتحدث أمين شبيكة، الرئيس التنفيذي لبنك فيصل الإسلامي، لمجلتنا عن كيفية تجاوز البنك لتداعيات الحرب، ونتائج الأداء المالي، ومستقبل القطاع المصرفي، وخطط التحول نحو نموذج مصرفي رقمي أقل اعتماداً على الفروع، في هذا الحوار:
كيف استطاع بنك فيصل الإسلامي إعادة إطلاق عملياته بعد الحرب التي اندلعت في السودان بداية عام 2023؟
بدأنا إعادة تشغيل أعمال البنك من مدينة بورتسودان بعد نحو 3 أسابيع فقط من اندلاع الحرب، وذلك بعد نجاحنا في إنقاذ جميع خوادم وأنظمة البنك، واستعادة البيانات بالكامل، وإعادة إطلاق العمل بتطبيق «فوري» الذي انقطع الاتصال به في اليوم السابع من الحرب نتيجة انقطاع الكهرباء وتوقف العمل بشكل كامل في مقر الإدارة الرئيسية. وتمكنا من استعادة الأنظمة وإعادة تشغيل الخدمات، وكنا جاهزين للعمل بكامل طاقتنا بحلول يوليو 2023. هذه المرحلة تطلبت منا سرعة في اتخاذ القرار، وقدرة عالية على إدارة الأزمات، والأهم المحافظة على استمرارية الخدمة للعملاء في ظروف استثنائية.
ما أبرز النتائج التي حققها البنك منذ الحرب وحتى الربع الأول من عام 2026؟
كان عام 2023 عاماً صعباً وسجلنا خلاله خسائر بسبب تداعيات الحرب. أما في 2024 فقد تحسنت النتائج بشكل واضح، خصوصاً من خلال نشاطي استيراد البترول ومشتقاته وتصدير الذهب، حيث أصبحنا من أكبر البنوك العاملة في هذين المجالين.
النتائج التي حققناها في 2024 ساعدتنا على تغطية خسائر الحرب بالكامل، ومنذ بداية عام 2025 تمكنا من إطفاء كامل آثار تلك الخسائر، مع العلم أن نتائج 2025 لم تكن بالمستوى نفسه الذي حققناه في 2024، بسبب تقلص السياسات المرتبطة بواردات البترول وصادرات الذهب، لكن رغم ذلك بقي الأداء أفضل من مرحلة ما قبل الحرب.
وبالنسبة للربع الأول من عام 2026، فإن الأداء يسير وفق الموازنة الموضوعة، ونتوقع أن ننهي العام بنتائج جيدة، رغم أن ارتفاع التكاليف، خصوصاً أسعار الكهرباء والطاقة، يشكل تحدياً كبيراً وغير متوقع.
كيف أثرت التطورات الجيوسياسية والحرب الأميركية – الإيرانية على نشاط البنك والاقتصاد السوداني؟
تأثرنا بالتطورات العالمية الأخيرة، حيث بات النشاط الاقتصادي الأساسي في السودان يقتصر بشكل كبير على صادرات الذهب وواردات البترول، أما القطاعات الأخرى، مثل صادرات المحاصيل والصناعات، فقد تراجعت بنحو 80% تقريباً، لكنها اليوم بدأت تستعيد جزءاً من نشاطها تدريجياً، رغم التحديات المرتبطة بالشحن وتراجع الطلبات الخارجية، خصوصاً أن بعض المستوردين اتجهوا إلى أسواق بديلة خلال فترة توقف الإنتاج السوداني.
لكن في المقابل، خلقت الأزمة فرصاً وأسواقاً جديدة، حيث نلاحظ اليوم ارتفاع الطلب على صادرات الخضروات والفواكه، خصوصاً من المملكة العربية السعودية. وبالتالي نتوقع أن تستقر الأوضاع تدريجياً رغم استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
هل أصبحت التكنولوجيا المصرفية في بنك فيصل الإسلامي تضاهي الدول المتقدمة؟
لا يمكن القول إنها تضاهيها بالكامل، إذ ما زالت هناك قيود وتحديات تواجه السودان، خصوصاً بسبب تبعات الحظر وصعوبة الوصول إلى بعض الحلول التكنولوجية العالمية الأمريكية أو الأوروبية المتقدمة، وحتى لو كانت متاحة فإنها تصلنا بتكاليف مرتفعة بسبب متطلبات الامتثال، لذلك نعتمد على عدد محدود من الموردين، معظمهم من الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى مثل الهند وباكستان.
ورغم هذه التحديات، فإننا نعمل بجد للتحول إلى بنك رقمي متكامل، حيث أطلقنا تطبيقنا المصرفي الخاص «فوري» والمحفظة الإلكترونية «فوري بلاس» التي تدعم التعامل بعدة عملات، مع إمكانية إصدار بطاقة فيزا رقمية أو فعلية.
كما طورنا خدمات الإنترنت البنكي، ونعمل على زيادة الاعتماد على العمليات المصرفية الرقمية وتقليل الاعتماد على الفروع ضمن استراتيجية العمليات المصرفية دون فروع (Branchless Banking).
في الوقت نفسه، ندعم شركات التكنولوجيا المالية التي بدأت تنتشر بشكل كبير في السودان، حيث تصل نسبة هذه الشركات التي لديها حسابات لدى بنك فيصل الإسلامي إلى نحو 85%، وذلك بسبب سهولة الخدمات والدعم الذي نقدمه. وبحسب سياسات البنك المركزي، يجب أن تكون شركات التكنولوجيا المالية مدعومة من مصارف وأن تحتفظ بأموالها داخل بنك، ومن الأمثلة على ذلك محفظة شركة زين للاتصالات الإلكترونية التي تعمل بالشراكة معنا.
كما أنشأنا مركز اتصال في مصر لخدمة العدد الكبير من السودانيين النازحين خارج البلاد.
كيف انعكس التحول الرقمي على هيكل البنك وعدد الموظفين والفروع؟
كنا من أوائل المصارف التي خفضت عدد الموظفين، الذي انتقل من نحو 1500 موظف إلى أقل من 600 موظف، نتيجة إغلاق عدد من الفروع والتوجه نحو الرقمنة، إضافة إلى خروج عدد من الموظفين من الخدمة، الذين نحاول إعادة دمج جزء منهم عبر تحويلهم إلى وكلاء للبنك، ضمن نموذج الخدمات المصرفية عبر الوكلاء (Agency Banking)، وهو نموذج يدعمه البنك المركزي، بحيث يقدم الوكلاء خدمات مثل الإيداع والسحب النقدي مقابل عمولة، هذا النموذج أقل تكلفة من الفروع التقليدية، كما يجعل الخدمات أقرب إلى العملاء.
ما دور البنك في دعم توجه الحكومة نحو الدفع الإلكتروني؟
تتجه الحكومة اليوم إلى تعزيز الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد، ونحن نعمل على دعم هذا الاتجاه من خلال توفير حلول الدفع الرقمية. قمنا بربط تطبيقاتنا مع عدد كبير من المؤسسات الحكومية والجامعات والمستشفيات، بهدف تسهيل عمليات الدفع الإلكتروني.
ماذا عن الفروع والعودة إلى الخرطوم؟
كان لدينا قبل الحرب 75 فرعاً، واليوم نعمل من خلال 19 فرعاً فقط، 5 منها في الخرطوم، ومع العودة التدريجية للعاصمة بدأنا نحضر لنقل المقر الرئيسي من بورتسودان الى الخرطوم، وأن نصل إلى 7 فروع فيها بنهاية العام.
لكن استراتيجيتنا المستقبلية لا تقوم على التوسع الكبير في الفروع، بل نهدف إلى ألا يتجاوز العدد الكلي للفروع الـ 35 فرعاً كحد أقصى، مع الاعتماد بصورة أكبر على القنوات الرقمية والوكلاء.
كيف ينظر البنك إلى ملف التمويل بعد الحرب؟
عدنا إلى التمويل، لكن ليس بعد بالحجم الذي نطمح إليه، حيث تضررت معظم الشركات العاملة في البلاد بسبب الحرب، حتى الشركات الكبرى لم تعد بعد إلى كامل طاقتها الإنتاجية. إضافة إلى ذلك، ما زالت المخاطر مرتفعة، والشركات تحتاج إلى تمويلات كبيرة وطويلة الأجل لإعادة بناء مصانعها. لكن التمويل طويل الأجل بالعملة المحلية يمثل تحدياً كبيراً بسبب استمرار انخفاض قيمة العملة، لذلك نحاول ألا تتجاوز التمويلات بالعملة المحلية عاماً واحداً، بينما يمكن تقديم تمويلات لفترة أطول بالعملة الصعبة.
وهنا لا بدّ أن نذكر أنه بعد الحرب وصلت نسبة التعثر في سداد القروض إلى نحو 99%، لكننا عملنا مع العملاء للوصول إلى تسويات، حيث قام بعضهم بالسداد، بينما أعيدت جدولة قروض البعض الآخر، واليوم انخفضت نسبة التعثر إلى نحو 27%، وهدفنا الوصول بها إلى 6% وفقاً لمستهدفات البنك المركزي.
ما طبيعة التمويلات الموجهة لإعادة الإعمار؟
وفقاً لسياسات البنك المركزي، فإن التمويلات المخصصة لإعادة الإعمار ستكون ضمن حدود معينة، وتركز بشكل أكبر على التمويل الصغير الذي يستفيد منه الأفراد والأسر ذات الاحتياجات الأساسية. أطلقنا منتجات تمويلية للموظفين أصحاب الرواتب، خصوصاً لشراء التجهيزات المنزلية، باعتبارها من الاحتياجات الملحة في مرحلة ما بعد الحرب.
ما أبرز المشاريع المستقبلية لبنك فيصل الإسلامي السوداني؟
نركز حالياً على التحول الرقمي الكامل وأتمتة العمليات، مع الحفاظ على وجود محدود وفعال للفروع وعدد أقل من الموظفين.
كما نعمل على مساعدة الحكومة في تقليل الاعتماد على النقد الورقي، لأن تكلفة النقد مرتفعة على الدولة وعلى القطاع المصرفي في الوقت نفسه.
وفي المقابل، نولي أهمية كبيرة للأمن السيبراني لحماية العمليات والخدمات الرقمية.
أما على مستوى النشاط الاقتصادي، فنستهدف بشكل رئيسي تمويل ودعم صادرات الذهب، وواردات البترول، وإعادة إعمار القطاع الصناعي، باعتبارها قطاعات أساسية لتعافي الاقتصاد السوداني.