الخرطوم تعود إلى الحياة... والاقتصاد يقود مرحلة السودان الجديدة

عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة، وانتعاش القطاع المصرفي ، وتسارع التحول الرقمي، تشكل ملامح مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
20 تموز 2026
مقالات
مشاركة

رولا كلاس

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي غيّرت وجه السودان، تدخل البلاد اليوم مرحلة مختلفة عنوانها العودة إلى الخرطوم. فمع انتقال الحكومة رسمياً من بورتسودان إلى العاصمة، وعودة الوزارات والمؤسسات السيادية، بدأت العاصمة تستعيد تدريجياً دورها السياسي والاقتصادي، في خطوة لا تمثل مجرد انتقال إداري، بل إعلاناً عن بداية مرحلة إعادة البناء واستعادة النشاط الاقتصادي. 

ويُنظر إلى هذه العودة باعتبارها نقطة تحول رئيسية، لأن نجاح أي عملية إعادة إعمار يتطلب وجود مؤسسات الدولة في قلب العاصمة، وعودة الجهاز الإداري، واستئناف الخدمات العامة، وإعادة تنشيط الأسواق وحركة الاستثمار والتجارة. كما تتزامن هذه المرحلة مع عودة مئات الآلاف من المواطنين إلى الخرطوم، الأمر الذي يعيد تدريجياً الطلب على الخدمات المصرفية والمالية والتجارية، ويخلق دورة اقتصادية جديدة تحتاج إلى بنية مالية متطورة وقادرة على مواكبة المرحلة المقبلة. 

ويبرز القطاع المصرفي كأحد أهم المحركات لهذه المرحلة، إذ سارع بنك السودان المركزي إلى إعادة تشغيل مقره الرئيسي في الخرطوم بعد توقف دام قرابة ثلاث سنوات، في خطوة تعكس عودة مؤسسات السياسة النقدية إلى ممارسة دورها الطبيعي من العاصمة، وتعزيز الثقة بالنظام المالي والمصرفي. 

ولم تعد عملية التعافي الاقتصادي تعتمد على إعادة فتح الفروع والمقار فقط، بل باتت ترتكز بصورة أساسية على التحول الرقمي، الذي أثبت خلال سنوات الحرب قدرته على ضمان استمرارية الخدمات المالية. فقد أعلن بنك السودان المركزي أن عدد التحويلات المصرفية باستخدام رقم الحساب المصرفي الأساسي (BBAN) تجاوز 234 مليون معاملة، بينما سجلت خدمات الصيرفة الإلكترونية (EBS) 141.5 مليون معاملة خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بـ92.8 مليون معاملة خلال عام 2025، محققة نمواً تجاوز 52%، وهو ما يعكس التحول الكبير في سلوك العملاء واعتمادهم المتزايد على القنوات الرقمية.

وفي السياق ذاته، يشهد الأول من يوليو تدشين أول رخصة رسمية لمحول معاملات مالية ومنصة مدفوعات رقمية من بنك السودان المركزي لصالح شركة العسجد، في خطوة تمثل محطة جديدة في تطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية. وتهدف المنصة إلى ربط البنوك، وتسهيل المدفوعات الحكومية، وتوفير منظومة آمنة وسريعة للمعاملات المالية، إلى جانب بناء شراكات محلية ودولية لدعم الاقتصاد الوطني.

ولا يقتصر مسار التعافي على القطاع المصرفي وحده، بل يمتد أيضاً إلى قطاع التأمين الذي يُعد أحد الركائز الأساسية لدعم إعادة الإعمار وحماية الاستثمارات. فمع عودة النشاط الاقتصادي تدريجياً إلى الخرطوم، تبرز الحاجة إلى توسيع خدمات التأمين على الممتلكات والمشروعات والبنية التحتية، إلى جانب التأمين الصحي، وتأمين النقل، والتأمين الزراعي، بما يساهم في الحد من المخاطر وتشجيع المستثمرين المحليين والأجانب على الدخول إلى السوق السوداني. كما يُنتظر أن يلعب التأمين دوراً محورياً في تمويل التعافي الاقتصادي من خلال تعزيز الاستقرار المالي، وتوفير الحماية للأفراد والشركات، وخلق بيئة أكثر قدرة على استيعاب الاستثمارات الجديدة، خاصة مع توجه شركات التأمين نحو التحول الرقمي وتطوير خدماتها الإلكترونية بما يواكب التحول الذي يشهده القطاع المالي السوداني.

وتؤكد هذه التطورات أن مستقبل الاقتصاد السوداني لن يعتمد فقط على إعادة إعمار المباني والبنية التحتية، بل أيضاً على إعادة بناء البنية المالية الرقمية، بما يضمن وصول الخدمات المصرفية إلى مختلف شرائح المجتمع، ويعزز الشمول المالي، ويرفع كفاءة المدفوعات، ويقلل الاعتماد على النقد الورقي.

وفي المقابل، لا تزال المرحلة تواجه تحديات كبيرة، من بينها استقرار سعر الصرف، والسيطرة على معدلات التضخم، واستعادة الثقة الاستثمارية، وإعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع المالي في المناطق المتضررة. كما أن استمرار توحيد المنظومة النقدية والمصرفية يمثل عاملاً أساسياً لضمان نجاح عملية التعافي، خاصة في ظل استمرار بعض مظاهر الانقسام المالي الناتجة عن الحرب. 

ورغم هذه التحديات، تبدو المؤشرات الأولية مشجعة. فعودة الحكومة إلى الخرطوم، واستئناف عمل البنك المركزي، والتوسع المتسارع في الخدمات المصرفية الرقمية، وإطلاق منصات وتقنيات مالية جديدة، إلى جانب الدور المتوقع لقطاع التأمين في حماية الاستثمارات ودعم إعادة الإعمار، كلها عوامل تعكس بداية مرحلة مختلفة قد تجعل من القطاع المالي بمختلف مكوناته، المصارف والتأمين والتكنولوجيا المالية، القاطرة الرئيسية لاستعادة النشاط الاقتصادي في السودان، وليصبح بناء مؤسسات مالية حديثة وقادرة على مواكبة التحولات الرقمية أحد أهم مرتكزات السودان الجديد.

أخبار من نفس الفئة