في مجموعة الخليج للتأمين - سلطنة عمان، لا نبحث عن الصفقات السريعة بل نراهن على الاكتتاب المدروس والتحول الرقمي لبناء نمو مستدام
ما أبرز التحديات التي تواجه قطاع التأمين في سلطنة عُمان اليوم؟
يواجه سوق التأمين في سلطنة عُمان مجموعة من التحديات ذات الطبيعة الخاصة مقارنة بعدد من أسواق المنطقة، ويمكن تلخيص أبرزها في المحاور الآتية:
أولاً: التعرض للكوارث الطبيعية وما تفرضه من متطلبات جديدة على السوق. فقد شكل إعصار «جونو» نقطة تحول مهمة، إذ كانت خبرات السوق في التعامل مع هذا النوع من الأخطار محدودة نسبياً آنذاك. ومنذ ذلك الوقت بدأت الخبرات الفنية والتشغيلية تتراكم وتتطور. كما جاء إعصار «شاهين» ليؤكد أهمية تعزيز جاهزية السوق، لا سيما في ما يتعلق بتغطيات الممتلكات وإدارة المطالبات المرتبطة بالكوارث الطبيعية.
ثانياً: تراجع ربحية محفظة تأمين السيارات. فقد شهدت فترة جائحة «كوفيد-19» قيام معظم شركات التأمين في السوق العُماني بخفض الأسعار نتيجة الإغلاقات وتراجع حركة المركبات، وذلك بهدف المحافظة على مستويات مقبولة من الأقساط. وبعد عودة الحركة ومعدل الحوادث إلى مستوياتها الطبيعية، استمرت الأسعار عند مستويات منخفضة بفعل المنافسة، وهو وضع لا يمكن اعتباره مستداماً على المدى الطويل، خاصة أن شركات التأمين في السوق العُماني تحتفظ بكامل الأخطار ولا تسند جزءاً منها إلى شركات إعادة التأمين. وفي الوقت ذاته، ارتفعت تكاليف إصلاح المركبات بصورة ملحوظة نتيجة التضخم.
ومن التحديات المهمة أيضاً مسألة التعويضات عن الأضرار الجسدية في التأمين الإلزامي للسيارات. ففي عُمان لا يوجد سقف محدد لهذه التعويضات، إذ تُحدد قيمتها إما بالتوافق بين المؤمن له وشركة التأمين، أو من خلال القضاء. ومن منظور اكتتابي، يخلق ذلك قدراً من عدم اليقين، لأن عدم القدرة على تحديد الحد الأقصى المحتمل للخسارة يجعل عملية التسعير أكثر تعقيداً. وقد تصدر في بعض الحالات أحكام قضائية بقيم مؤثرة في الاحتياطيات الموضوعة مسبقاً. وبالنظر إلى ارتباط هذا الجانب بأحكام الشريعة، فإن أي تعديل تشريعي يحتاج إلى دراسة متأنية، إلا أننا نأمل في تطوير آلية أكثر وضوحاً، مثل اعتماد جدول أو دليل استرشادي لحالات الإصابات يحدد نطاقات التعويض بصورة أكثر شفافية.
ثالثاً: تطور منظومة التأمين الصحي، ولا سيما مع إطلاق منصة «ضماني»، وهي منصة رقمية تربط الأطراف المعنية بمنظومة التأمين الصحي، بما في ذلك شركات التأمين ومقدمو الخدمات الطبية والجهات الرقابية والحكومية مثل الهيئة العامة لسوق المال ووزارة الصحة وشرطة عُمان السلطانية ومنظومة الحماية الاجتماعية. ويهدف هذا الربط الوطني إلى توحيد البيانات وتعزيز الشفافية والحد من سوء الاستخدام، وهو تطور مهم لدعم نضج القطاع على المدى الطويل. غير أن هذا التحول يتطلب من شركات التأمين استثمارات كبيرة في تحديث الأنظمة التقنية وربطها بالمنصة، إلى جانب تدريب الكوادر وتأهيلها للتعامل مع البيئة التشغيلية الجديدة.
ويبرز ضمن هذا التحول تحدٍ إضافي يتمثل في تغير آلية احتساب بعض المطالبات. ففي السابق، كان المؤمن له إذا اختار تلقي العلاج في مستشفى حكومي قد لا تترتب على شركة التأمين تكلفة مباشرة. أما اليوم، ومع الربط الإلكتروني، أصبح بالإمكان التحقق من وجود التغطية التأمينية وإحالة الفاتورة إلى شركة التأمين، ما يضيف تكاليف لم تكن محسوبة سابقاً ضمن نماذج التسعير. لذلك يحتاج السوق إلى فترة كافية لاستيعاب هذه المتغيرات، وتحليل البيانات الجديدة، ثم الوصول إلى مستويات تسعير تعكس التكلفة الفعلية للتغطية بصورة أكثر دقة.
كيف تصفون أداء GIG Gulf في السوق العُماني؟
يتسم أداء الشركة في السوق العُماني بالثبات والانضباط. فنحن لا نستهدف تحقيق نمو كبير ومفاجئ في الأقساط أو الأرباح على حساب جودة المحفظة، بل نلتزم بسياسة اكتتاب متحفظة وانتقائية، تقوم على تقييم الأخطار بصورة دقيقة وتجنب المنافسة غير المدروسة على الأسعار.
وعند النظر إلى السوق العُماني، نلاحظ أن جانباً مهماً من أرباح عدد من شركات التأمين يرتبط بعوائد الاستثمار أكثر من ارتباطه بالنشاط التأميني الأساسي. أما في GIG Gulf، فنحرص على تحقيق الربحية من النشاطين التأميني والاستثماري معاً، بما يعزز متانة النمو واستدامته. وتقوم استراتيجيتنا في عُمان والمنطقة على الانضباط في اختيار الأخطار والتسعير، وبناء علاقات طويلة الأمد مع العملاء الذين نستطيع خدمتهم بكفاءة. لذلك لا ننظر إلى الصفقات السريعة وغير المدروسة بوصفها أولوية، بل نركز على استدامة العلاقة وجودتها. وينطبق الأمر ذاته على الوسطاء، إذ نعدهم شركاء في منظومة العمل، ونسعى إلى ترسيخ علاقات قائمة على الثقة والمصلحة المشتركة، بما ينعكس في النهاية على مصلحة المؤمن له.
هل يساعد تنوع المحفظة في دعم هذه الاستراتيجية؟
بالتأكيد. فتنوع المحفظة يمثل عنصراً أساسياً في دعم استراتيجيتنا، إذ نمتلك مجموعة شاملة من المنتجات تشمل تأمين الحياة المرتبط بالقروض، وتأمين الممتلكات والمسؤوليات، وتأمين السيارات، والتأمين الصحي. ويمنحنا هذا التنوع قاعدة أوسع لمصادر الدخل، ويساعد على تحقيق توازن أفضل في المحفظة، ويحد من الاعتماد على خط تأميني واحد.
ماذا عن التأمين عبر المصارف؟ وما أهمية شراكتكم مع بنك مسقط؟
تجمعنا ببنك مسقط شراكة استراتيجية تمتد لأكثر من 12 عاماً، وهو أكبر بنك في السلطنة. وننظر إلى حجم هذه الشراكة ومداها بوصفهما مؤشراً على أهميتها، ليس على مستوى السوق العُماني فحسب، بل على مستوى قطاع التأمين المصرفي في الخليج أيضاً.
ونحن شريك استراتيجي للبنك في مجال تأمين حياة الائتمان (Credit Life Insurance)، وهي تغطية تهدف إلى سداد الرصيد المتبقي من القرض إلى البنك أو الجهة المقرضة في حال وفاة المقترض قبل اكتمال السداد، سواء كان القرض سكنياً أو شخصياً أو مخصصاً لشراء مركبة. ونعد من الجهات الرائدة في هذا المجال داخل السوق، ونحرص باستمرار على فهم احتياجات البنك وعملائه، وتطوير حلول تأمينية ملائمة لها.
إلى أين وصلتم في رحلة التحول الرقمي؟
كنا من أوائل الشركات التي حصلت على ترخيص لبيع المنتجات التأمينية عبر الإنترنت، إذ لدى الشركة فريقاً داخليا متخصصاً للتحول الرقمي. وقد خصصنا جانباً مهماً من استثماراتنا لتطوير منظومة الأمن السيبراني وحماية البيانات والأطراف ذات العلاقة، لأن التوسع الرقمي لا يمكن أن يحقق أهدافه من دون بنية آمنة وموثوقة.
وفي الوقت نفسه، نستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات ووكلاء الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة الاستجابة وإدارة أحجام العمل المتزايدة. كما نعتمد بصورة متزايدة على الأتمتة، ونبني عدداً من عملياتنا استناداً إلى البيانات المتوافرة لدينا، بما يشمل انتقاء الأخطار وتسعيرها وإدارة المطالبات، خصوصاً في المهام ذات الأحجام الكبيرة والطابع المتكرر.
هل يمكن أن يصل القطاع إلى مرحلة الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي؟
لا أعتقد أن القطاع يمكن أن يعتمد اعتماداً كاملاً أو غير مشروط على الذكاء الاصطناعي. فهذه التقنيات تعتمد في جوهرها على جودة البيانات، ويمكن أن تساعد في توقع الأخطار وتحليلها والحد من بعضها، غير أنها تحتاج في النهاية إلى كوادر بشرية مؤهلة قادرة على فهم النتائج والتحقق من دقتها واتخاذ القرارات المناسب. كما أن الأنظمة والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، عالمياً وإقليمياً، لا تزال في مرحلة تطور مستمر ولم تصل بعد إلى النضج الكامل. لذلك نتعامل معها باعتبارها رحلة مستمرة، نستفيد من التكنولوجيا، ونتعلم من تطبيقاتها، ونطور الأدوات التي تساعدنا على مواكبة متطلبات المرحلة بكفاءة. ويمكن القول إن GIG قطعت شوطاً مهماً في مسيرة التحول الرقمي.
هل تطور الوعي التأميني لدى المجتمع العُماني؟
شهد الوعي التأميني في المجتمع العُماني تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً لدى الأفراد والمؤسسات الذين مروا بتجارب مباشرة وتعرضوا لخسائر كبيرة نتيجة الأعاصير والكوارث الطبيعية.
فالتجربة العملية تجعل الناس أكثر إدراكاً لأهمية الحماية التأمينية ودورها في تخفيف أثر الخسائر. وفي المقابل، استجاب قطاع التأمين لهذه المتغيرات من خلال تطوير منتجات تواكب الاحتياجات المستجدة. ومن الأمثلة على ذلك أن عُمان كانت من الأسواق الخليجية التي وسعت نطاق تغطية تأمين السيارات ضد الغير ليشمل الكوارث الطبيعية ضمن حدود معينة، وهو ما يعكس تطوراً في الأنظمة والمنتجات بالتوازي مع تغير طبيعة الأخطار.
أين تتركز أولويات GIG Gulf خلال المرحلة المقبلة؟
تتركز أولوياتنا خلال المرحلة المقبلة في ثلاثة محاور رئيسية: التوسع الرقمي، وتطوير منظومة التأمين الصحي، وتعزيز حضورنا في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. ونرى في هذا القطاع فرصاً واعدة، إذ نمتلك باقات متنوعة مصممة لتلبية احتياجاته بأسعار تنافسية، إلى جانب حضور قوي وخبرة متقدمة في خدمته.
وعلى المستوى الأوسع، يتمثل هدفنا في مواصلة بناء أعمال تأمينية مستدامة تقوم على التسعير المدروس، والاختيار السليم للأخطار، والاستثمار في التكنولوجيا، مع الحفاظ على علاقات طويلة الأمد مع العملاء والوسطاء والشركاء.